المقريزي
114
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وما يأتي بعدها فمرض الحافظ في آخر هذه السنة ، ومات في أوّل سنة أربع وأربعين وخمسمائة . وقال القاضي الفاضل : في متجدّدات سنة ست وسبعين وخمسمائة وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر ربيع الأوّل ، وهو السادس عشر من مسرى . وفي النيل على ستة عشر ذراعا ، وهو الوفاء ولا يعرف وفاؤه بهذا التاريخ في زمن متقدّم ، وهذا أيضا مما تغير فيه قانون النيل في زماننا فإنه صار يوفي في أوائل مسرى ولقد كان الوفاء في سنة اثنتي عشرة ، وثمانمائة في اليوم التاسع والعشرين من أبيب قبل مسرى بيوم ، وهذا من أعجب ما يؤرخ في زيادات النيل ، واتفق أن في الحادي عشر من جمادى الأولى سنة تسع وسبعمائة ، وفي النيل وكان ذلك اليوم التاسع عشر من بابه بعد النوروز بتسعة وأربعين يوما . قال : وفي تاسع عشرة يعني شوّال سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة . كسر بحر أبي المنجى وباشر الملك العزيز عثمان كسره وزاد النيل فيه أصبعا وهي الأصبع الثامنة عشرة من ثمان عشرة ذراعا ، وهذا الحدّ يسمى عند أهل مصر اللجة الكبرى . فانظر كيف يسمي القاضي الفاضل هذا القدر اللجة الكبرى ؟ ! وإنه والعياذ بالله لو بلغ ماء النيل في سنة هذا القدر فقط لحل بالبلاد غلاء يخاف منه أن يهلك فيه الناس ، وما ذاك إلا لما أهمل من عمل الجسور ؛ ويحصل لأهل مصر بوفاء النيل ست عشرة ذراعا فرح عظيم ، فإن ذلك كان قانون الري في القديم واستمرّ ذلك إلى يومنا هذا . ويتخذ ذلك اليوم عيدا يركب فيه السلطان بعساكره ، وينزل في المراكب لتخليق المقياس . وقد ذكرنا ما كان في الدولة الفاطمية من الاهتمام بفتح الخليج عند ذكر مناظر اللؤلؤة . وقال بعض المفسرين رحمهم اللّه تعالى : إن يوم الوفا هو اليوم الذي وعد فرعون موسى عليه السلام بالاجتماع في قوله تعالى : قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [ طه / 59 ] . وقد جرت العادة أن اجتماع الناس للتخليق يكون في هذا الوقت . ومن أحسن السياسات في أمر النداء على النيل ما حكاه الفقيه ابن زولاق « 1 » في سيرة المعز « 2 » لدين اللّه قال : وفي هذا الشهر ، يعني شوّال ، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة منع المعز لدين اللّه من النداء بزيادة النيل ، وأن لا يكتب بذلك إلا إليه ، وإلى القائد جوهر ، فلما تم
--> ( 1 ) هو الحسن بن إبراهيم ، مؤرخ مصري اتصل بالفاطميين . له كتاب ( خطط مصر ) و ( أخبار قضاة مصر ) . ولد سنة 309 ه وتوفي سنة 387 ه . الأعلام ج 2 / 178 . ( 2 ) المعز لدين اللّه : هو معد بن إسماعيل العبيدي الفاطمي أبو تميم صاحب مصر وإفريقية وهو أول الخلفاء الفاطميين بمصر وقدم من المغرب بعد أن مهد له القائد جوهر الصقلي . ولد سنة 319 ه وتوفي سنة 365 ه . الأعلام ج 7 / 264 .